12/01/2010
في نقد الإقتصاد الإسلامي
بسبب الأحداث الإقتصاديه الاخيره سواء المحليه أو الدوليه كثر الحديث مؤخرا عن تطبيق الإقتصاد الإسلامي كبديل عن الأنظمه الإقتصاديه المعاصره سواء كانت رأسماليه ؛ اشتراكيه أم مختلطه. لذلك و من باب الفضول وددت الإطلاع على ما يسمونه بـ الإقتصاد الإسلامي فسألت احد الأصدقاء الذي أوصاني بقراءة كتاب (اقتصادنا) لمؤلفه المرجع الإسلامي الشيعي محمد باقر الصدر. لن أدخل بتفاصيل الكتاب وسأكتفي بطرح أفكار تعكس الواقع الذي يناقض تماما نقاط الكاتب التي رأيت بها توضيحا لهذا المفهوم المبهم بنظري.
النظام الإقتصادي الإسلامي هو نظام اقتصادي مختلط يوازن بين النظامين الإشتراكي والرأس مالي لذلك مفهوم التكافل الإجتماعي الموجود بالدول الإسلاميه هو احدى خصائص هذا النظام على الرغم ان هذا المفهوم ليس حصريا على الدول الإسلاميه كما يدعي رجال الدين فالمدنيه المعاصره بشكل عام تحارب الفقر وتدعو الانظمه السياسيه والإقتصاديه الى توفير حياة كريمه لمواطنيها. مهما كان النظام الإقتصادي ناجحا لابد من ان تكون هناك عيوب فنظامنا الكوني لا يعرف شيء اسمه مطلق وكل شيء نسبي حتى العداله سواء كانت اقتصاديه أو اجتماعيه. رغم أن الرأسماليه هي النظام الإقتصادي الشائع بالعالم الغربي المتطور هذا لا يعني أنها كامله. ولعل فيلم المخرج الامريكي مايكل مور (الرأسماليه قصة حب) الذي يحلل دور الرأسماليه الجشع بخلق الأزمه الإقتصاديه الاخيره (رغم اختلافي الشديد مع أسلوب مايكل مور المعتمد على المبالغه ؛ التهويل واحتكار الحق بأفلامه بشكل عام) يعكس واقعا معبرا بدوله قوامها الرأسماليه.
كما الرأسماليه فيها عيوب كذلك التكافل الإجتماعي فيه عيوب ولن اذهب بعيدا فالكثير من أبناء شعبي يستغل التكافل الإجتماعي بصوره قبيحه فهم مصرين على أن يظل مستوى معيشتهم ليس مرتفعا فقط بل شاهقا بسبب انعدام المسؤليه وهوسهم بالمظاهر والكماليات على حساب الأساسيات والضروريات. لذلك كما الرأس ماليه ممكن استغلالها لتحقيق اهداف انانيه أيضا نجد ان التكافل الإجتماعي المبالغ فيه يشجع على الريعيه وإلغاء الإبداع والتميز.
نرجع لكتاب اقتصادنا الكاتب رغم إطلاعه واسلوب صياغته الفريد لم يستطع ان يجاوب على أسئلتي كقارئ يريد اجابه واضحه عن ماهية الإقتصاد الإسلامي. فهو يدعو لمبادئ معنويه وليس لتشريعات او نظم ملموسه وهنا المعضله فـ الإقتصاد الإسلامي ليس علما بل مدرسه فكريه اساسها الشرع الإسلامي. لذلك شي طبيعي أن نرى البنوك والمؤسسات الماليه الإسلاميه ذات طبيعه فلكلوريه اكثر من ما هي بروتوكوليه.
التشريع الإسلامي يظل بنظر النظام المدني العلماني تشريعا عنصريا اقصائيا نفس الشيء ينطبق على الإقتصاد الإسلامي لذلك من غير المعقول ان يقبل النظام المدني بإقتصاد يفرق بين الناس على اساس عقائدي أو اقتصاد موجه دينيا تستغله رموز السلطه الدينيه سواء كانوا أئمه أو أولي أمر أو أصحاب مبرات خيريه.
مشكلة الإقتصاد الإسلامي افتقاده الى الواقعيه فهو يدعي انه سيقضي على اصحاب المصالح الشخصيه ويجبرهم على احترام المصلحه العامه وبنفس الوقت هو يعطي صلاحيات ماليه عليا لولي الأمر وهذا بنظري تناقض لأنه من المستحيل ان يلتزم ولي الامر بالمصلحه العامه على حساب مصلحته الخاصه. البقاء للأقوى هذه احدى قواعدنا الكونيه التي اكتشفها داروين نراها تطبق بكل مكان وزمان. من يملك القوه هو من يحدد ماهية الضمير ؛ هو من يضع القيم والمعايير. هذه طبيعتنا كبشر ومن يدعي غير ذلك هو اما ضعيف يحاول ان يتهرب من الواقع أو ضعيف يسعى الإطاحه بقوي ليفرض معاييرا وقيما أخرى.
(انشاء المجتمع اللاطبقي) من اكثر العبارات التي شدتني بهذا الكتاب وهي تثبت أن الكاتب يحاول تسويق وهم. والوهم الأكبر منه هو تسويق الروحانيه الدينيه كبديل يقضي على مادية المجتمعات. مره أخرى لست بحاجه ان أذهب بعيدا واكتفي بالنظر الى مجتمعي مجتمع هوس التدين الظاهري وعبادة المظاهر والماديات كي أسأل رجال الدين الأحياء منهم والأموات عن أي روحانيه تتحدثون؟ لو الروحانيه الإسلاميه التي تتكلمون عنها ستغرس بهؤلاء البشر ولو ذره من أخلاقيات التواضع والكرم لاخترنا الدين وطلقنا العلمانيه!.
عموم المسلمين لا يقبلون بأن يظل معتقدهم على المستوى الشخصي كبقية المعتقدات الاخرى لذلك تجد منهم الذي يختزل الإقتصاد بتعاليم دينيه غير متناسبه مع الزمن الذي نعيشه اليوم وآخر من يختزل الأخلاق بالعبادات والفروض الدينيه وآخر يختزل العلم بالنصوص القرآنيه بإسم الإعجاز. مشكلة هؤلاء أنهم يعيشون بتناقض تجدهم يستنكرون ويتبرؤون من ممارسات الإرهابي المسلم أو الحرامي المسلم أو الدجال المسلم رغم أن أغلب ما يمارسه هؤلاء هو خارج من رحم الخطاب الديني الذي أصبح هو رمزا مقدسا لا يمس. أقول لا وسيله لتبرئة الدين غير فصله فكريا عن المجالات والإتجاهات التي ليست من اختصاصه وهذه ليست دعوى لإلغاء الدين بل دعوه لتحرير عقول المسلمين من السيطره الفكريه التي يمارسها رجال الدين عليهم. ليس رجل الدين عاجزا عن معالجة القضايا المعاصره بل الدين هو العاجز عن ذلك لكن كبرياء المسلمين الذي أوصلهم لادنى درجات التخلف والجهل يحول دون ادراكهم لهذه الحقيقه البسيطه. هل ألوم الدين لعجزه؟ بالطبع لا فالديانات كلها تهدف الى تنمية الجوانب الروحانيه بحياة البشر ومواريثها التاريخيه أو الإجتماعيه الموجوده فيها ليست مقدسه كما يسوق رجال الدين. الدين لم يطلب منا اتباعه كي نعبد نصا أو نقدس ميتا الدين هويه اعتقاديه اختياريه ليس نهجا سياسيا نشرع على اساسه قوانين و ليس محصله علميه نعتمدها بالأبحاث والنظريات العلميه. عقولنا هي من اختار الدين وليس الدين الذي اختار أن يكون لنا عقول. لذلك بنظري الخطاب الديني الإسلامي التقليدي على اختلاف مذاهبه ومدارسه الفقهيه اذا استمر بصورته الأصوليه الحاليه هذه سيظل عاجزا عن تحقيق أي مجد لهذه الامه التي بات لاهم لها غير شتم الحاضر وتقديس الماضي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق